الخميس، 18 فبراير 2010

بالون الليبرالية

بالون الليبرالية
عمار السواد
يصف عدد من السياسيين انفسهم وقواهم السياسية بالليبرالية، اذ اصبح التصنيف لدى البعض قائما على رباعية السياسي الشيعي والسياسي السني والسياسي الكردي والسياسي الليبرالي..
والمتتبع لادبيات المرحلة السياسية الملاصقة للانتخابات سيجد ان المصطلح اخذ مساحة اكثر من استخداماته في العملية الانتخابية الماضية، وهي خطوة اساسية لطرح المصطلح للشارع والجدل كي يأخذ شكله الطبيعي والمساحة اللازمة من المعرفة الجماهيرية والشعبية.
لكن هذه الخطوة محفوفة بمخاطر قد تسيء الى الليبرالية باعتبارها مستقبلا مقبلا يرجى له ان يبعد العراق عن دائرة الايديولوجيات التي دخلها البلد منذ عقود وعن صراع الكراهية الجاري منذ بدايات تأسيس الاحزاب الشمولية في البلاد وتجاذبات الطائفية السياسية. واهم المخاطر هي ان كثيرا ممن يصف نفسه بالليبرالي ويسعى للترويج لنفسه على هذا الاساس ويعمل على اعطاء هذا المفهوم وجوده الشعبي، هو مجرد مدع.. وهو يخضع الليبرالية لمقولات هي في الجوهر منافية وطاردة لها.. وهذا هو اكثر ما يسيء للمفهوم ويقدمه الى الناس مشوها ومليئا بتناقضات حادة.
وبوضوح اكثر، ان الليبرالية مفهوم طارد للقومية، وللعنصرية الاجتماعية والسياسية، وهي سلوك عام قائم على اساس احترام حرية الفرد وقناعاته، وهي رؤية سياسية تدعم المدنية والحفاظ على هوية الوطن بمعزل عن القوم والطائفة، وهي تيار يكرس الرؤى الحديثة التي اخرجت الانسان من دائرته القبلية.. مثلا ان الليبرالية لا تنطلق من مفهوم ابوي، بمعنى انها تدافع عن عراقية ابن الام العراقية، وان الليبرالية تتناقض بشكل واضح مع الشعارات القومية والتحريض الاجتماعي القائم على اساس العرق او الطائفة او اي اساس اخر، وهي تحترم الآخر الذي يختلف.. والاهم من كل ذلك هي تدافع بقوة عن اية قناعة فردية، وتسمح للافراد باختيار حياتهم المناسبة لهم بمعزل عن اي توجيه ايديولوجي او عقائدي او عنصري مباشر، وهذا لا يعني انها تعطي الفرد حق تجاوز القانون، بل يعني ان القوانين يجب ان تسن وفق مقولة الحرية الفردية وعدم التدخل في الخصوصيات الاجتماعية والفردية مالم تتضارب مع خصوصيات وحريات الآخرين. وهذا كله غير موجود لدى الاغلب من الطبقات السياسية التي تدعي انها ليبرالية، لانها تؤمن بشعارات قومية تحمل في طياتها الكراهية والعنصرية، وبعضها مسكونة بالطائفية بشكليها السني والشيعي.. وهناك طبقات ذات رؤية عشائرية وقبلية... هي يمكن ان تكون علمانية، لكن ليس كل العلمانيين ليبراليين، لا، فهناك علمانيون قوميون، وهناك يساريون، وهناك عنصريون، وهناك عشائريون..... وهناك ليبراليون، وفي تاريخ العراق الحديث قلما شهدنا قوة سياسية ليبرالية، خصوصا منذ تأسيس الجمهورية..
مثل هؤلاء عندما يتمسكون بوصف انفسهم بالليبراليين فانهم سيعطون انطباعا خاطئا، انطباعا محاصرا مليئا بالقومية اوالطائفية المغطاة بستار الوطنية...
وهناك قضية في غاية الاهمية علينا التنبه لها والالتفات الى تأثيراتها هي ان محاولة جعل الليبرالية في صف البعثية، وما يقوم به بعض من يصف نفسه بالليبرالية باعتبار قضية عودة البعث قضيته المصيرية، سيعطي رسالة خاطئة بان الليبرالية هي في الدفاع عن البعث، وبالتالي اسقاط كل سلبيات هذا الحزب على الليبرالية، وهذا في منتهى الخطر.
نحن بحاجة فعلا الى تيار ليبرالي، يدفع باتجاه ابعاد السلطة وعموم الدولة عن صراعات الكراهية العنصرية والطائفية والقومية والعشائرية، ويجعل منها اطارا عاما يحمي جميع المكونات العراقية ولكن تحت اطار قانوني يؤمن قبل كل شيء بخيار الانسان الفرد، ومثل هذا التيار لن يتشكل ما دام كل الشعب مسكونا بثقافة تقديسية اوايديولوجية او قبلية وما دام المجتمع يسحق افراده


رابط المقال في جريدة الصباح
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=95936

هناك تعليق واحد:

  1. قرأت المقال بمتعة .. شكرا لك
    ذكرني بمقال قرأته سابقا ربما تستمتع مثلي بقرائته
    http://www.shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=282960
    للكاتب معتز بالله عبد الفتاح

    ردحذف