بالون الليبرالية
عمار السواد
يصف عدد من السياسيين انفسهم وقواهم السياسية بالليبرالية، اذ اصبح التصنيف لدى البعض قائما على رباعية السياسي الشيعي والسياسي السني والسياسي الكردي والسياسي الليبرالي..
والمتتبع لادبيات المرحلة السياسية الملاصقة للانتخابات سيجد ان المصطلح اخذ مساحة اكثر من استخداماته في العملية الانتخابية الماضية، وهي خطوة اساسية لطرح المصطلح للشارع والجدل كي يأخذ شكله الطبيعي والمساحة اللازمة من المعرفة الجماهيرية والشعبية.
لكن هذه الخطوة محفوفة بمخاطر قد تسيء الى الليبرالية باعتبارها مستقبلا مقبلا يرجى له ان يبعد العراق عن دائرة الايديولوجيات التي دخلها البلد منذ عقود وعن صراع الكراهية الجاري منذ بدايات تأسيس الاحزاب الشمولية في البلاد وتجاذبات الطائفية السياسية. واهم المخاطر هي ان كثيرا ممن يصف نفسه بالليبرالي ويسعى للترويج لنفسه على هذا الاساس ويعمل على اعطاء هذا المفهوم وجوده الشعبي، هو مجرد مدع.. وهو يخضع الليبرالية لمقولات هي في الجوهر منافية وطاردة لها.. وهذا هو اكثر ما يسيء للمفهوم ويقدمه الى الناس مشوها ومليئا بتناقضات حادة.
وبوضوح اكثر، ان الليبرالية مفهوم طارد للقومية، وللعنصرية الاجتماعية والسياسية، وهي سلوك عام قائم على اساس احترام حرية الفرد وقناعاته، وهي رؤية سياسية تدعم المدنية والحفاظ على هوية الوطن بمعزل عن القوم والطائفة، وهي تيار يكرس الرؤى الحديثة التي اخرجت الانسان من دائرته القبلية.. مثلا ان الليبرالية لا تنطلق من مفهوم ابوي، بمعنى انها تدافع عن عراقية ابن الام العراقية، وان الليبرالية تتناقض بشكل واضح مع الشعارات القومية والتحريض الاجتماعي القائم على اساس العرق او الطائفة او اي اساس اخر، وهي تحترم الآخر الذي يختلف.. والاهم من كل ذلك هي تدافع بقوة عن اية قناعة فردية، وتسمح للافراد باختيار حياتهم المناسبة لهم بمعزل عن اي توجيه ايديولوجي او عقائدي او عنصري مباشر، وهذا لا يعني انها تعطي الفرد حق تجاوز القانون، بل يعني ان القوانين يجب ان تسن وفق مقولة الحرية الفردية وعدم التدخل في الخصوصيات الاجتماعية والفردية مالم تتضارب مع خصوصيات وحريات الآخرين. وهذا كله غير موجود لدى الاغلب من الطبقات السياسية التي تدعي انها ليبرالية، لانها تؤمن بشعارات قومية تحمل في طياتها الكراهية والعنصرية، وبعضها مسكونة بالطائفية بشكليها السني والشيعي.. وهناك طبقات ذات رؤية عشائرية وقبلية... هي يمكن ان تكون علمانية، لكن ليس كل العلمانيين ليبراليين، لا، فهناك علمانيون قوميون، وهناك يساريون، وهناك عنصريون، وهناك عشائريون..... وهناك ليبراليون، وفي تاريخ العراق الحديث قلما شهدنا قوة سياسية ليبرالية، خصوصا منذ تأسيس الجمهورية..
مثل هؤلاء عندما يتمسكون بوصف انفسهم بالليبراليين فانهم سيعطون انطباعا خاطئا، انطباعا محاصرا مليئا بالقومية اوالطائفية المغطاة بستار الوطنية...
وهناك قضية في غاية الاهمية علينا التنبه لها والالتفات الى تأثيراتها هي ان محاولة جعل الليبرالية في صف البعثية، وما يقوم به بعض من يصف نفسه بالليبرالية باعتبار قضية عودة البعث قضيته المصيرية، سيعطي رسالة خاطئة بان الليبرالية هي في الدفاع عن البعث، وبالتالي اسقاط كل سلبيات هذا الحزب على الليبرالية، وهذا في منتهى الخطر.
نحن بحاجة فعلا الى تيار ليبرالي، يدفع باتجاه ابعاد السلطة وعموم الدولة عن صراعات الكراهية العنصرية والطائفية والقومية والعشائرية، ويجعل منها اطارا عاما يحمي جميع المكونات العراقية ولكن تحت اطار قانوني يؤمن قبل كل شيء بخيار الانسان الفرد، ومثل هذا التيار لن يتشكل ما دام كل الشعب مسكونا بثقافة تقديسية اوايديولوجية او قبلية وما دام المجتمع يسحق افراده
رابط المقال في جريدة الصباح
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=95936
الخميس، 18 فبراير 2010
السبت، 13 فبراير 2010
ثغرة في القضاء
ثغرة في القضاء
عمار السواد
هناك من وصف التجاذب الاخير بين مراكز الحكم السياسي في العراق والقضاء ممثلا بالهيئة التمييزية على قرار هيئة المساءلة والعدالة بانه اولى المعارك الحقيقية بين القضاء والسياسة
وهناك من تهجم بشدة ووضوح على قيام الرئاسات الثلاث بالتدخل بعمل القضاء عندما امرت بالمضي قدما في مراجعتها لملفات المجتثين.. وكلا الوصفين فيما اظن كان صحيحا، ولكن هناك جانب اخر اغفله اصحاب هذه الاوصاف، هذا الجانب هو ان الهيئة التمييزية اوجدت في القضاء ثغرة للتدخل من قبل الساسة.
لقد قرأت مرارا البيان الصادر عن الهيئة التمييزية، قبل ان اكتب المقال وسألت اكثر من خبير قانوني ايضا، كي لا استعجل في تقييم الموضوع، خصوصا وان الحديث هو عن احدى المؤسسات التابعة لسلطة يفترض بنا جميعا ان نحترمها ونقبل قراراتها.
النتيجة التي وصلت اليها هي ان الهيئة التمييزية دخلت صراعا مع السلطة السياسية بادوات غير قضائية، فخرجت من منطقة القضاء ما دفع الآخرين للتجرؤ عليه، وان السياسيين لم يتوانوا للحظة واحدة عن التعامل بطريقة منفعلة مع هيئة قضائية وتوجيه اتهامات لها ما كان يجب ان تصدر، في حين كان يمكن لهم ان يسدوا ثغرتها وهفوتها بطريقة دستورية مناسبة.
فبقراءة سريعة للبيان الصادر عن الهيئة التمييزية نرى ان البيان لم يعزز قراره بأي من فقرات او بنود القانون، بل انه استخدم اوضاعا سياسية مثل الحملات الانتخابية، زيارة الاربعين، العطل الرسمية، كمبررات اساسية لقرارها الاجرائي، ومثل هذه الاسباب ليست عللا قانونية واضحة، الشأن القضائي هو التعليل بمواد القانون والاستناد الكامل للدستور، فقانون المساءلة والعدالة تضمن مادة تنص على ان الهيئة التمييزية لديها فرصة ستين يوما للبت بالطعون، بمعنى ان الهيئة كانت قادرة على احالة التأجيل الى المادة القانونية التي تنص على هذه المدة، وبذلك فان مجلس النواب والجهات الاخرى ستكون امام تعليل قانوني حقيقي يعالج بطرق اخرى مثل تأجيل الانتخابات اوالسماح للمجتثين بالترشح فعلا، غير ان هذا لم يحصل، وهنا الغرابة، فقضاة عينوا بموجب قرار من اعلى سلطة قضائية في البلاد وبمصادقة من مجلس النواب كيف يحيلون الامر الى اسباب هامشية ويتركون الحجة القانونية!.
ما حصل كان درسا مهما للقضاء، فهو الجهة الوحيدة التي ننتظر ان لا تتورط في اية هفوات واضحة او اية ادوات غير قضائية، وان لا تعطي للسياسي الفرصة بان ينقض ليهدم هذه السلطة ويقلل من شرعيتها، خصوصا وان هذه الشرعية مدعمة بالرأي العام والسياسي قادر، في حال وجود ثغرات، على تشويه السمعة امام هذا الرأي.
القضاء لا يملك اية سلطة غير تلك المتعلقة بالبند الفلاني او القانون المعني او الدستور، وكل ما عدا ذاك ليس سوى وسائل لا تمت اليه بأي صلة.
ان معركة القضاء والسياسة حسمت لصالح السياسي ليس لان السياسي اقوى من القضاء، بل لان القضائي دخل المعركة بغير سلاحه، فاستسلم بشكل او بآخر لارادة السياسي، والا فما معنى ان تتراجع هيئة القضاء عن قرارها بناء على طلب الرئاسات الثلاث، هل ان عودتها الان قانونية؟! وماالذي تغير قانونيا، قبل الاحد الماضي او بعده؟.
وهناك كلمة اخيرة هي ان ما حصل في ازمة الاجتثاث، حمل الكثير من الشوائب.. والكثير من المشكلات، بدءا بالتوقيت وانتهاءً بما حصل في هيئة التمييز.. فهل ستبقى مثل هذه الازمات، وهناك دائما امكانية للتنظيم؟.
مقال لجريدة الصباح
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=97842
عمار السواد
هناك من وصف التجاذب الاخير بين مراكز الحكم السياسي في العراق والقضاء ممثلا بالهيئة التمييزية على قرار هيئة المساءلة والعدالة بانه اولى المعارك الحقيقية بين القضاء والسياسة
وهناك من تهجم بشدة ووضوح على قيام الرئاسات الثلاث بالتدخل بعمل القضاء عندما امرت بالمضي قدما في مراجعتها لملفات المجتثين.. وكلا الوصفين فيما اظن كان صحيحا، ولكن هناك جانب اخر اغفله اصحاب هذه الاوصاف، هذا الجانب هو ان الهيئة التمييزية اوجدت في القضاء ثغرة للتدخل من قبل الساسة.
لقد قرأت مرارا البيان الصادر عن الهيئة التمييزية، قبل ان اكتب المقال وسألت اكثر من خبير قانوني ايضا، كي لا استعجل في تقييم الموضوع، خصوصا وان الحديث هو عن احدى المؤسسات التابعة لسلطة يفترض بنا جميعا ان نحترمها ونقبل قراراتها.
النتيجة التي وصلت اليها هي ان الهيئة التمييزية دخلت صراعا مع السلطة السياسية بادوات غير قضائية، فخرجت من منطقة القضاء ما دفع الآخرين للتجرؤ عليه، وان السياسيين لم يتوانوا للحظة واحدة عن التعامل بطريقة منفعلة مع هيئة قضائية وتوجيه اتهامات لها ما كان يجب ان تصدر، في حين كان يمكن لهم ان يسدوا ثغرتها وهفوتها بطريقة دستورية مناسبة.
فبقراءة سريعة للبيان الصادر عن الهيئة التمييزية نرى ان البيان لم يعزز قراره بأي من فقرات او بنود القانون، بل انه استخدم اوضاعا سياسية مثل الحملات الانتخابية، زيارة الاربعين، العطل الرسمية، كمبررات اساسية لقرارها الاجرائي، ومثل هذه الاسباب ليست عللا قانونية واضحة، الشأن القضائي هو التعليل بمواد القانون والاستناد الكامل للدستور، فقانون المساءلة والعدالة تضمن مادة تنص على ان الهيئة التمييزية لديها فرصة ستين يوما للبت بالطعون، بمعنى ان الهيئة كانت قادرة على احالة التأجيل الى المادة القانونية التي تنص على هذه المدة، وبذلك فان مجلس النواب والجهات الاخرى ستكون امام تعليل قانوني حقيقي يعالج بطرق اخرى مثل تأجيل الانتخابات اوالسماح للمجتثين بالترشح فعلا، غير ان هذا لم يحصل، وهنا الغرابة، فقضاة عينوا بموجب قرار من اعلى سلطة قضائية في البلاد وبمصادقة من مجلس النواب كيف يحيلون الامر الى اسباب هامشية ويتركون الحجة القانونية!.
ما حصل كان درسا مهما للقضاء، فهو الجهة الوحيدة التي ننتظر ان لا تتورط في اية هفوات واضحة او اية ادوات غير قضائية، وان لا تعطي للسياسي الفرصة بان ينقض ليهدم هذه السلطة ويقلل من شرعيتها، خصوصا وان هذه الشرعية مدعمة بالرأي العام والسياسي قادر، في حال وجود ثغرات، على تشويه السمعة امام هذا الرأي.
القضاء لا يملك اية سلطة غير تلك المتعلقة بالبند الفلاني او القانون المعني او الدستور، وكل ما عدا ذاك ليس سوى وسائل لا تمت اليه بأي صلة.
ان معركة القضاء والسياسة حسمت لصالح السياسي ليس لان السياسي اقوى من القضاء، بل لان القضائي دخل المعركة بغير سلاحه، فاستسلم بشكل او بآخر لارادة السياسي، والا فما معنى ان تتراجع هيئة القضاء عن قرارها بناء على طلب الرئاسات الثلاث، هل ان عودتها الان قانونية؟! وماالذي تغير قانونيا، قبل الاحد الماضي او بعده؟.
وهناك كلمة اخيرة هي ان ما حصل في ازمة الاجتثاث، حمل الكثير من الشوائب.. والكثير من المشكلات، بدءا بالتوقيت وانتهاءً بما حصل في هيئة التمييز.. فهل ستبقى مثل هذه الازمات، وهناك دائما امكانية للتنظيم؟.
مقال لجريدة الصباح
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=97842
الخميس، 11 فبراير 2010
ألقاب اعتباطية
ألقاب اعتباطية
عمار السواد
أظن انه لو قدر وبعث علي الوردي من قبره لطلب منا أن نعفيه من إطلاق صفة (مفكر) عليه، لكثرة من اطلقت عليه هذه الصفة في العراق، فقد بات المصطلح سهلا وسريع الاستخدام في وسائل الإعلام والمحافل الثقافية، ويعطى وساما يعلق على صدور اناس ليس لديهم حتى منجز مكتوب واحد..
والمبرر هو ما يطرحه الموصوف بالمفكر في الفضائيات والصحف.. او لمبرر ان لديه وجهات نظر جديدة او جريئة، او لان وسيلة اعلامية تحب ما يطرحه وترتاح الى تصوراته الشفوية. مثل هذا الاستسهال يبدو حالة عامة في العراق، فهناك عشرات الألقاب تطلق بطريقة اعتباطية وبعيدا عن تدقيق او تعمق او حكمة.. ففي العراق اليوم الاف الشعراء تسعون بالمئة منهم ناظم أكثر منه شاعر، وهناك محللون سياسيون دورهم الوحيد هو اعادة ما يقال في الشوارع والتجمعات الشعبية دون ان يمتلكوا أدوات التحليل السياسي، وهناك عشرات المطربين ممن لا يمتلكون اي مؤهل فني ووو... لذلك يبدو هذا الزمن هو زمن الاستسهال، استسهال اطلاق الصفات الرفيعة.. هذا الاستسهال والاعتباطية في تحديد الصفات ووضعها في مكانها غير الصحيح او المعقول على اقل تقدير، هو جزء من وضع كامل محكوم بغياب الرؤية المعرفية ويعاني من انحدار القيم الخلقية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ويقاد من قبل نخب ليس لديها اكثر من سياق شعبي يخرجها من قدرتها على ان تكون متميزة ومؤهلة لادارة مهامها. وهذا شأننا للاسف، متطرفون في طريقة عيشنا وتعاملنا مع الامور، في السابق كان هناك حزب واحد وضع على كل شيء قيدا حديديا لا يخرج عنه، وفي الوقت الحالي تحكمنا الاستسهالات والاعتباطية. وبالعودة الى موضع المفكر.. اعتقد ان من الضروري جدا ان نعمل على رفض استسهال هذا المصطلح، وذلك كي نحترم مفكرينا ونجعل لمفردة مفكر قيمة حقيقية، غير خاضعة للمزاجيات. فمن غير المعقول ان نطلق صفة مفكر على علي الوردي مثلا او اي شخص اخر مقارب له، سواء في العراق او العالم العربي، ونطلقه بنفس الارتياح على اناس اخرين لا يستحقون ذلك.
وكي لا يفهم الموضوع بشكل خاطئ لابد من توضيح امر ما، هو ان المفكرين ليسوا مرتبة واحدة، ولا هم بدرجة واحدة من الاهمية، ولا ان اثارهم متقاربة من حيث الكم والنوع.. فهم مستويات.. الا ان هناك مواصفات في المفكر، ان اردناه مصطلحا مميزا وذا تأثير، فمن الضروري وجود مشروع فكري لدى المرء كي يكون مفكرا، وهذا المشروع ليس في قلبه وعقله، انما موجود على الورق ومعروف لدى بعض الناس على اقل تقدير.. عند ذلك سنكون استخدمنا مصطلحا احترمناه واعطيناه حقه الطبيعي وفق سياقات ما هو متعارف في العراق سابقا وفي العالم. واشير الى نقطة اخرى جديرة بالتوضيح، هي ان الفضائيات تؤسس للثقافة الشفوية، فاي حديث يصدر عنها هو شفوي، ابن لحظته، لا يهتم كثيرا للاطالة او البحث والتدقيق، بل عمله الاساس هو سرعة تقديم الرأي والخبر والتحليل في مجالاته المتعددة.. لذلك فان ما يصدر منها هو ثقافة تأثيرها واضح على الشارع باعتبارها تعتمد على الاثارة بشكل اساس، والاثارة قد تكون مقدمة للتفكير، ولكنها بحد ذاتها ليست فكرا.
منشور في الصباح البغدادية
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=95407
عمار السواد
أظن انه لو قدر وبعث علي الوردي من قبره لطلب منا أن نعفيه من إطلاق صفة (مفكر) عليه، لكثرة من اطلقت عليه هذه الصفة في العراق، فقد بات المصطلح سهلا وسريع الاستخدام في وسائل الإعلام والمحافل الثقافية، ويعطى وساما يعلق على صدور اناس ليس لديهم حتى منجز مكتوب واحد..
والمبرر هو ما يطرحه الموصوف بالمفكر في الفضائيات والصحف.. او لمبرر ان لديه وجهات نظر جديدة او جريئة، او لان وسيلة اعلامية تحب ما يطرحه وترتاح الى تصوراته الشفوية. مثل هذا الاستسهال يبدو حالة عامة في العراق، فهناك عشرات الألقاب تطلق بطريقة اعتباطية وبعيدا عن تدقيق او تعمق او حكمة.. ففي العراق اليوم الاف الشعراء تسعون بالمئة منهم ناظم أكثر منه شاعر، وهناك محللون سياسيون دورهم الوحيد هو اعادة ما يقال في الشوارع والتجمعات الشعبية دون ان يمتلكوا أدوات التحليل السياسي، وهناك عشرات المطربين ممن لا يمتلكون اي مؤهل فني ووو... لذلك يبدو هذا الزمن هو زمن الاستسهال، استسهال اطلاق الصفات الرفيعة.. هذا الاستسهال والاعتباطية في تحديد الصفات ووضعها في مكانها غير الصحيح او المعقول على اقل تقدير، هو جزء من وضع كامل محكوم بغياب الرؤية المعرفية ويعاني من انحدار القيم الخلقية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ويقاد من قبل نخب ليس لديها اكثر من سياق شعبي يخرجها من قدرتها على ان تكون متميزة ومؤهلة لادارة مهامها. وهذا شأننا للاسف، متطرفون في طريقة عيشنا وتعاملنا مع الامور، في السابق كان هناك حزب واحد وضع على كل شيء قيدا حديديا لا يخرج عنه، وفي الوقت الحالي تحكمنا الاستسهالات والاعتباطية. وبالعودة الى موضع المفكر.. اعتقد ان من الضروري جدا ان نعمل على رفض استسهال هذا المصطلح، وذلك كي نحترم مفكرينا ونجعل لمفردة مفكر قيمة حقيقية، غير خاضعة للمزاجيات. فمن غير المعقول ان نطلق صفة مفكر على علي الوردي مثلا او اي شخص اخر مقارب له، سواء في العراق او العالم العربي، ونطلقه بنفس الارتياح على اناس اخرين لا يستحقون ذلك.
وكي لا يفهم الموضوع بشكل خاطئ لابد من توضيح امر ما، هو ان المفكرين ليسوا مرتبة واحدة، ولا هم بدرجة واحدة من الاهمية، ولا ان اثارهم متقاربة من حيث الكم والنوع.. فهم مستويات.. الا ان هناك مواصفات في المفكر، ان اردناه مصطلحا مميزا وذا تأثير، فمن الضروري وجود مشروع فكري لدى المرء كي يكون مفكرا، وهذا المشروع ليس في قلبه وعقله، انما موجود على الورق ومعروف لدى بعض الناس على اقل تقدير.. عند ذلك سنكون استخدمنا مصطلحا احترمناه واعطيناه حقه الطبيعي وفق سياقات ما هو متعارف في العراق سابقا وفي العالم. واشير الى نقطة اخرى جديرة بالتوضيح، هي ان الفضائيات تؤسس للثقافة الشفوية، فاي حديث يصدر عنها هو شفوي، ابن لحظته، لا يهتم كثيرا للاطالة او البحث والتدقيق، بل عمله الاساس هو سرعة تقديم الرأي والخبر والتحليل في مجالاته المتعددة.. لذلك فان ما يصدر منها هو ثقافة تأثيرها واضح على الشارع باعتبارها تعتمد على الاثارة بشكل اساس، والاثارة قد تكون مقدمة للتفكير، ولكنها بحد ذاتها ليست فكرا.
منشور في الصباح البغدادية
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=95407
الخميس، 4 فبراير 2010
قاتل ومقصّر وضحية
عمار السواد
تفجيرات انتحارية اخرى استهدفت هذه المرة الفنادق بكل ما تنطوي عليه من رمزيات.. فالفنادق هي رمز مهم للسياحة، وهي ايضا مواقع مهمة تتخذها عدد من الشركات والمستثمرين
وهي كانت منذ 2003 وما زالت مقرا تحتمي فيه وسائل اعلام عراقية وعالمية مهمة.هذا مشهد جديد في مسلسل العنف الارهابي. فقد عودتنا جماعات الموت على تنظيمها وقدرتها على ارسال ما تريد من رسائل، وهي في الغالب رسائل واضحة وصريحة ومباشرة.. فمنذ تفجيرات وزارتي الخارجية والمالية في اب من العام الماضي وحتى الان هناك عمليات نوعية تنفذ وتضرب هدفين دائما.. استهداف الانسان بالموت والعاهات نفسيا وبدينا، واستهداف المؤسسات التي تمثل كل البنية التحتية للعقل والاقتصاد والسياسة والثقافة... في العراق.. فهل نحن مؤهلون للتصدي لهذه اللعبة التي اصبحت مكشوفة، وهل يجوز ان نخضع لما تريده هذه الجماعات من اهداف تنتهي كلها الى افراغ البلاد من اية فرصة للحياة والامل.. وهل يجوز ان نلجأ للجلاد كي نحتمي به من سوطه وبذلك يصل الى هدفه الاخير هو ان يمسك بزمام السلطة التي افلتت منه؟ فما هو المطلوب من العراقيين في ظل كل هذا، هل يطلب منهم ان يرضخوا لهذه الجماعات كي لا تضطر لقتلنا بهذه الطريقة البشعة، لنكون بذلك استسلمنا لما تريد ولما تهدف اليه.. طبعا لا، ان الرضوخ هو استمرار بالموت ولكن بصيغ ووسائل اخرى.. ولهذا فان الاندفاع بالاتجاه الذي تريده هذه الجماعات هو الخطأ بعينه.. نعم ان اجهزة الامن لم تكن ضعيفة فقط، بل انها مخترقة ، وما حصل في شارع ابو نواس هو بلا شك اختراق، فهذا الشارع محمي بطريقة مميزة تختلف عن طرق الحمايات الاخرى المتبعة في حماية كل شوارع العاصمة، ولكن الانتحاري عبر بسيارته المفخخة واجتاز كل الاجراءات ليفجر نفسه قرب فندق الشيراتون، وما تقوله الجهات الامنية من تبريرات ما هو الا اخفاء للتقصير الذريع الذي تكرره بشكل مستمر. فهذه الاجهزة تغلغل الفساد في بعض مفاصلها، فهناك صفقات واختراقات، وهناك اجراءات تؤثر فقط على حركة الناس في الشوارع، وهناك وهناك وهناك.. ولكن هذا التقصير لا يبرر ابدا بان نحول بوصلة الاتهام بعيدا عن القاتل.. ينبغي ان نحدد الفاعل والى جانبه نحدد من ادمن التقصير ولا نسمح بان تستخدم الضحية لجلد الضحية.. فأي اتهام للذات هو استمرار باسلوب التفخيخ الذي اعتدناه، ومن لا يسلط الضوء على الفاعل نفسه فهو مجرم مثله، ومنتهى السقوط الاخلاقي هو الاستفادة من الدماء المسفوحة على ارصفة الطرقات سياسية وانتخابيا.. لنشخص المجرم المخطط والمنفذ في البداية وليدرك جيدا باننا نعرفه ولن نتراجع عن اتهامه وعن ملاحقته ثقافيا واعلاميا ككتاب واعلاميين او قضائيا كقضاة وقانونيين، او سياسيا كساسة وبرلمانيين او امنيا كشرطة وجيش.... وقبل ذلك عراقيا كمواطنين..
فهناك قاتل وهناك من ادمن التقصير ليتيح للقاتل تنفيذ جريمته وهناك ضحية.. فلنميز.
المقال منشور في صحيفة الصباح البغدادية في تاريخ 23-1-2010
عمار السواد
تفجيرات انتحارية اخرى استهدفت هذه المرة الفنادق بكل ما تنطوي عليه من رمزيات.. فالفنادق هي رمز مهم للسياحة، وهي ايضا مواقع مهمة تتخذها عدد من الشركات والمستثمرين
وهي كانت منذ 2003 وما زالت مقرا تحتمي فيه وسائل اعلام عراقية وعالمية مهمة.هذا مشهد جديد في مسلسل العنف الارهابي. فقد عودتنا جماعات الموت على تنظيمها وقدرتها على ارسال ما تريد من رسائل، وهي في الغالب رسائل واضحة وصريحة ومباشرة.. فمنذ تفجيرات وزارتي الخارجية والمالية في اب من العام الماضي وحتى الان هناك عمليات نوعية تنفذ وتضرب هدفين دائما.. استهداف الانسان بالموت والعاهات نفسيا وبدينا، واستهداف المؤسسات التي تمثل كل البنية التحتية للعقل والاقتصاد والسياسة والثقافة... في العراق.. فهل نحن مؤهلون للتصدي لهذه اللعبة التي اصبحت مكشوفة، وهل يجوز ان نخضع لما تريده هذه الجماعات من اهداف تنتهي كلها الى افراغ البلاد من اية فرصة للحياة والامل.. وهل يجوز ان نلجأ للجلاد كي نحتمي به من سوطه وبذلك يصل الى هدفه الاخير هو ان يمسك بزمام السلطة التي افلتت منه؟ فما هو المطلوب من العراقيين في ظل كل هذا، هل يطلب منهم ان يرضخوا لهذه الجماعات كي لا تضطر لقتلنا بهذه الطريقة البشعة، لنكون بذلك استسلمنا لما تريد ولما تهدف اليه.. طبعا لا، ان الرضوخ هو استمرار بالموت ولكن بصيغ ووسائل اخرى.. ولهذا فان الاندفاع بالاتجاه الذي تريده هذه الجماعات هو الخطأ بعينه.. نعم ان اجهزة الامن لم تكن ضعيفة فقط، بل انها مخترقة ، وما حصل في شارع ابو نواس هو بلا شك اختراق، فهذا الشارع محمي بطريقة مميزة تختلف عن طرق الحمايات الاخرى المتبعة في حماية كل شوارع العاصمة، ولكن الانتحاري عبر بسيارته المفخخة واجتاز كل الاجراءات ليفجر نفسه قرب فندق الشيراتون، وما تقوله الجهات الامنية من تبريرات ما هو الا اخفاء للتقصير الذريع الذي تكرره بشكل مستمر. فهذه الاجهزة تغلغل الفساد في بعض مفاصلها، فهناك صفقات واختراقات، وهناك اجراءات تؤثر فقط على حركة الناس في الشوارع، وهناك وهناك وهناك.. ولكن هذا التقصير لا يبرر ابدا بان نحول بوصلة الاتهام بعيدا عن القاتل.. ينبغي ان نحدد الفاعل والى جانبه نحدد من ادمن التقصير ولا نسمح بان تستخدم الضحية لجلد الضحية.. فأي اتهام للذات هو استمرار باسلوب التفخيخ الذي اعتدناه، ومن لا يسلط الضوء على الفاعل نفسه فهو مجرم مثله، ومنتهى السقوط الاخلاقي هو الاستفادة من الدماء المسفوحة على ارصفة الطرقات سياسية وانتخابيا.. لنشخص المجرم المخطط والمنفذ في البداية وليدرك جيدا باننا نعرفه ولن نتراجع عن اتهامه وعن ملاحقته ثقافيا واعلاميا ككتاب واعلاميين او قضائيا كقضاة وقانونيين، او سياسيا كساسة وبرلمانيين او امنيا كشرطة وجيش.... وقبل ذلك عراقيا كمواطنين..
فهناك قاتل وهناك من ادمن التقصير ليتيح للقاتل تنفيذ جريمته وهناك ضحية.. فلنميز.
المقال منشور في صحيفة الصباح البغدادية في تاريخ 23-1-2010
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)