ثغرة في القضاء
عمار السواد
هناك من وصف التجاذب الاخير بين مراكز الحكم السياسي في العراق والقضاء ممثلا بالهيئة التمييزية على قرار هيئة المساءلة والعدالة بانه اولى المعارك الحقيقية بين القضاء والسياسة
وهناك من تهجم بشدة ووضوح على قيام الرئاسات الثلاث بالتدخل بعمل القضاء عندما امرت بالمضي قدما في مراجعتها لملفات المجتثين.. وكلا الوصفين فيما اظن كان صحيحا، ولكن هناك جانب اخر اغفله اصحاب هذه الاوصاف، هذا الجانب هو ان الهيئة التمييزية اوجدت في القضاء ثغرة للتدخل من قبل الساسة.
لقد قرأت مرارا البيان الصادر عن الهيئة التمييزية، قبل ان اكتب المقال وسألت اكثر من خبير قانوني ايضا، كي لا استعجل في تقييم الموضوع، خصوصا وان الحديث هو عن احدى المؤسسات التابعة لسلطة يفترض بنا جميعا ان نحترمها ونقبل قراراتها.
النتيجة التي وصلت اليها هي ان الهيئة التمييزية دخلت صراعا مع السلطة السياسية بادوات غير قضائية، فخرجت من منطقة القضاء ما دفع الآخرين للتجرؤ عليه، وان السياسيين لم يتوانوا للحظة واحدة عن التعامل بطريقة منفعلة مع هيئة قضائية وتوجيه اتهامات لها ما كان يجب ان تصدر، في حين كان يمكن لهم ان يسدوا ثغرتها وهفوتها بطريقة دستورية مناسبة.
فبقراءة سريعة للبيان الصادر عن الهيئة التمييزية نرى ان البيان لم يعزز قراره بأي من فقرات او بنود القانون، بل انه استخدم اوضاعا سياسية مثل الحملات الانتخابية، زيارة الاربعين، العطل الرسمية، كمبررات اساسية لقرارها الاجرائي، ومثل هذه الاسباب ليست عللا قانونية واضحة، الشأن القضائي هو التعليل بمواد القانون والاستناد الكامل للدستور، فقانون المساءلة والعدالة تضمن مادة تنص على ان الهيئة التمييزية لديها فرصة ستين يوما للبت بالطعون، بمعنى ان الهيئة كانت قادرة على احالة التأجيل الى المادة القانونية التي تنص على هذه المدة، وبذلك فان مجلس النواب والجهات الاخرى ستكون امام تعليل قانوني حقيقي يعالج بطرق اخرى مثل تأجيل الانتخابات اوالسماح للمجتثين بالترشح فعلا، غير ان هذا لم يحصل، وهنا الغرابة، فقضاة عينوا بموجب قرار من اعلى سلطة قضائية في البلاد وبمصادقة من مجلس النواب كيف يحيلون الامر الى اسباب هامشية ويتركون الحجة القانونية!.
ما حصل كان درسا مهما للقضاء، فهو الجهة الوحيدة التي ننتظر ان لا تتورط في اية هفوات واضحة او اية ادوات غير قضائية، وان لا تعطي للسياسي الفرصة بان ينقض ليهدم هذه السلطة ويقلل من شرعيتها، خصوصا وان هذه الشرعية مدعمة بالرأي العام والسياسي قادر، في حال وجود ثغرات، على تشويه السمعة امام هذا الرأي.
القضاء لا يملك اية سلطة غير تلك المتعلقة بالبند الفلاني او القانون المعني او الدستور، وكل ما عدا ذاك ليس سوى وسائل لا تمت اليه بأي صلة.
ان معركة القضاء والسياسة حسمت لصالح السياسي ليس لان السياسي اقوى من القضاء، بل لان القضائي دخل المعركة بغير سلاحه، فاستسلم بشكل او بآخر لارادة السياسي، والا فما معنى ان تتراجع هيئة القضاء عن قرارها بناء على طلب الرئاسات الثلاث، هل ان عودتها الان قانونية؟! وماالذي تغير قانونيا، قبل الاحد الماضي او بعده؟.
وهناك كلمة اخيرة هي ان ما حصل في ازمة الاجتثاث، حمل الكثير من الشوائب.. والكثير من المشكلات، بدءا بالتوقيت وانتهاءً بما حصل في هيئة التمييز.. فهل ستبقى مثل هذه الازمات، وهناك دائما امكانية للتنظيم؟.
مقال لجريدة الصباح
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=97842
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق